ابن قيم الجوزية
351
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
منزلة الرّجاء ومن منازل « إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ » منزلة « الرجاء » . قال اللّه تعالى : أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ [ الإسراء : 57 ] فابتغاء الوسيلة إليه : طلب القرب منه بالعبودية والمحبة . فذكر مقامات الإيمان الثلاثة التي عليها بناؤه : الحب ، والخوف ، والرجاء . قال تعالى : مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ [ العنكبوت : 5 ] وقال : فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً [ الكهف : 110 ] وقال تعالى : أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [ البقرة : 218 ] . وفي « صحيح مسلم » عن جابر رضي اللّه عنه قال : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول - قبل موته بثلاث - « لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه » وفي الصحيح عنه صلى اللّه عليه وسلم : « يقول اللّه عزّ وجلّ : أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء » . « الرجاء » حاد يحدو القلوب إلى بلاد المحبوب . وهو اللّه والدار الآخرة . ويطيّب لها السير . وقيل : هو الاستبشار بجود وفضل الرب تبارك وتعالى . والارتياح لمطالعة كرمه سبحانه . وقيل : هو الثقة بجود الرب تعالى . والفرق بينه وبين « التمني » أن « التمني » يكون مع الكسل . ولا يسلك بصاحبه طريق الجد والاجتهاد . و « الرجاء » يكون مع بذل الجهد وحسن التوكل . فالأول : كحال من يتمنى أن يكون له أرض يبذرها ويأخذ زرعها . والثاني : كحال من يشق أرضه ويفلحها ويبذرها . ويرجو طلوع الزرع . ولهذا أجمع العارفون على أن « الرجاء » لا يصح إلا مع العمل . قال شاه الكرماني : علامة صحة الرجاء : حسن الطاعة . والرجاء ثلاثة أنواع : نوعان محمودان ونوع غرور مذموم . فالأولان : رجاء رجل عمل بطاعة اللّه على نور من اللّه . فهو راج لثوابه . ورجل أذنب ذنوبا ثم تاب منها . فهو راج لمغفرة اللّه تعالى وعفوه وإحسانه وجوده وحلمه وكرمه . والثالث : رجل متماد في التفريط والخطايا . يرجو رحمة اللّه بلا عمل . فهذا هو الغرور والتمني والرجاء الكاذب . وللسالك نظران : نظر إلى نفسه وعيوبه وآفات عمله ، يفتح عليه باب الخوف إلى سعة فضل ربه وكرمه وبره . ونظر يفتح عليه باب الرجاء . ولهذا قيل في حد « الرجاء » هو النظر إلى سعة رحمة اللّه . وقال أبو علي الروذباري : الخوف والرجاء كجناحي الطائر إذا استويا استوى الطير وتمّ طيرانه . وإذا نقص أحدهما وقع فيه النقص . وإذا ذهبا صار الطائر في حد الموت . وسئل أحمد بن عاصم : ما علامة الرجاء في العبد ؟ فقال : أن يكون إذا أحاط به الإحسان